بشّار زيدان: كيف صنع هويّة فنيّة برؤية عالميّة؟

من يعرف بشّار زيدان يعي جيّداً أن طموحه وإصراره لا يعرفان الحدود، فإن وضع هدفاً نصب عينيه لا يتوقّف عن السعي لتحقيقه. يختار الطريق الصعب، التحدّي الذي يبدو ضرباً من الجنون، ويجعل النجاح فيه يبدو غاية في السهولة. عام 2025 حمل له نجاحات فاجأت الساحة الفنيّة ووضعته ضمن أبرز الفنانين المستقلّين، فمع أغنيتيه ”طيّب“ و”كنت بعتها“ أثبت موهبته ليس فقط كمغنٍ، بل ككاتب وملحّن، وأظهر رؤية فنيّة ذات ملامح عالميّة من خلال هويّته الموسيقية المتجدّدة وقدرته على إيصال هذه الأغاني لمئات آلاف المستمعين عربياً وعالمياً.

بعد ”إحميني“، أطلقت هذا العام أغنيتين هما ”طيّب“ و”كنت بعتها“. ما الذي أردتَ إيصاله من خلال هذه النقلات التي حقّقتها في كل أغنية؟
في كل أغنية أردتُ تقديم حالة مختلفة، سواءً من حيث الموضوع أو الشكل الموسيقي، فالناس عموماً يتأثّر تعلّقهم بأغنية ما بحسب الحالة التي يمرّون بها، إن كانوا يعيشون بداية قصّة حبّ، فراقاً، حزناً، فكان عليّ التنويع في الأفكار للوصول إلى حالات حسّيّة مختلفة. أما موسيقياً، فكل أغنية تُظهر جانباً مختلفاً من صوتي وشخصيّتي وهويّتي الفنيّة، وحرصت على تشكيل هويّة مميّزة لكل أغنية.

كيف تصل إلى تشكيل هويّة كل أغنية بهذا التفرّد؟
عندما أكتب وألحّن كل أغنية أتخيّلها في ذهني بشكلٍ موسيقي محدّد، وهذا يشكّل أوّل توجّه لهويّة الأغنية. وقبل التسجيل هناك الكثير من التفكير والتحضير مع الموزّع الموسيقي للتأكّد من أن هذه الهويّة ستُترجم بكامل تفاصيلها، بالإضافة إلى عناصر التجديد والتطوير التي يهمّني أن تكون موجودة. وفي الأغاني الثلاث الأولى، كان العمل مع المنتج الموسيقي سيمون جاكُبسون أكثر من رائع، فهو يُتقن عمله وأدواته ولديه لمسات إبداعيّة يضعها في مكانها الصحيح، وبعد العمل أكثر من مرّة معاً بات يفهم رؤيتي الفنيّة ويعلم ما أريده في كل أغنية.

من خلال ثلاث أغنيات أخذنا لمحة عن جزء من هويّتك الفنيّة، ويبدو أننا سنكتشف المزيد، فكيف تصف الصورة كاملة؟
هناك الكثير ممّا لم تروه بعد، ليس فقط من هويّتي الفنيّة والألوان الموسيقية التي أريد تقديمها، بل أيضاً من حيث جوانب الصوت، تقنيات الغناء، والتجارب المختلفة. أعتقد أن الألبوم الأول سيكون فيه نسبة أكبر بكثير من هذه الصورة الكاملة، وسيكون بمثابة عمل متكامل لتعريف الناس بي كفنان، لأنه سيضمّ أغاني متنوّعة بكافة أبعادها، ودائماً ضمن رؤيتي وعلى طريقتي الخاصة.

اللافت في النجاح الذي حقّقته ”إحميني“، ”طيّب“، و”كنت بعتها“ هو أنها وصلت للمستمع العربي وكذلك لنسبة كبيرة من المستمعين حول العالم، فما سرّ هذا الجذب للمستمع الذي لا يفهم اللغة العربية؟
هذا كان واحداً من أهدافي منذ البداية، كيفية صناعة موسيقى بمعايير عالميّة ضمن الشكل الموسيقي الذي يسمعه محبّو الموسيقى حول العالم اليوم. لذا لا يكفي أن أكون مطّلعاً على الموسيقى العالميّة بأحدث إصداراتها، يجب أن أسأل نفسي دائماً كيف يمكن تطوير هذه الموضة الموسيقية لتوقّع الموضة المقبلة. أي أن أجمع بين التوجّه الحالي وما سيكون عليه في الفترة المقبلة، وصناعة ذلك على طريقتي الخاصة التي لا تشبه أحداً. أعتقد أن هذا التطوير الموسيقي يجذب محبّي الأغاني بغض النظر عن اللغة، كما يمنح الأغاني هذا الشعور بأنها ما زالت جديدة حتى بعد مرور فترة على صدورها. فعلى سبيل المثال، رغم مرور نحو ثلاثة أعوام على صدور ”إحميني“ ما زال هناك مستمعون يكتشفونها اليوم ويعتقدون أنها أغنية جديدة، لأنها تحتوي على عناصر تجديد تمنحها هذه القابلية لتعيش طويلاً.

إثباتاً على كلامك، ”إحميني“ عادت للترند على ”تيك توك“ منذ فترة قصيرة وكأن شريحة مختلفة من الجمهور أعادت اكتشافها؟
بالضبط، لاحظت هذا الموضوع أيضاً، وليس فقط مع أغنيتي، إنما هناك أغانٍ كثيرة أصبحت ”هيت“ بعد سنوات من صدورها بسبب إعادة اكتشافها على ”تيك توك“. وأعتقد أن هذا أمر جميل يعطي الأغاني فرصة للوصول لجمهور مختلف كل مرّة، وهو أيضاً مؤشر على تميّز ”تيك توك“ كمنصّة تخدم الفنان بشكل مختلف عن بقيّة منصّات التواصل.

”كنت بعتها“ ما زالت من الأغاني الحاضرة في الترند على ”تيك توك“، وعلى ”فيسبوك“ أيضاً إلى جانب ”طيّب“. ماذا يعني لك هذا الأمر؟
هو بالتأكيد أحد مؤشرات النجاح، لكن ما يهمني أكثر في هذه المواضيع هو أنها تُثبت قابليّة الأغاني على تحقيق نجاح أكبر وأكبر، فعندما تختبر الأغنية مع مئات آلاف الأشخاص وتستطيع تحقيق كل هذه المؤشرات الإيجابية فهذا يعني أن الأغنية يمكنها فعل ما هو أكثر بكثير عند إيصالها لجمهور أكبر، وهذا ما أتطلّع لتحقيقه.


إن كنّا تحدّثنا عن النفحة العالميّة في الهويّة الموسيقية، فهذا العنصر موجود أيضاً في هويّتك المصوّرة. سواء في الصور التي ترافق كل إصدار أو الفيديوهات أو ستايلك والـ“Branding“ الفني بشكل عام. كيف عملت على هذه المواضيع؟
أعتقد أن هذه الأمور تبلورت مع الوقت لتعكس شخصيّتي وستايلي بشكل تلقائي. قد تكون خبرتي في هذه الجوانب لعبت دوراً، لكن حتى هذه الأمور أخذت وقتاً حتى ظهرت بالشكل الذي أريده، وتعكس روح التجديد والحداثة والابتكار. الـ“Branding“ وتشكيل هويّة مرئية هي أمور ضرورية لكل فنان، وما زال لدي الكثير من المفاجآت في هذا الجانب أيضاً.

إلى جانب التفاعل الذي تحدّثنا عنه من كافة أنحاء العالم، تم نشر الأغنيتين مع ترجمة الكلمات للّغة الإندونيسية على إحدى الصفحات الموسيقية الشهيرة هناك على إنستاغرام التي وصفتها بـ”مستوى مختلف من الأغاني العربية“؟
بالفعل، وقد أسعدني هذا الأمر وأسعدني تفاعل محبّي الموسيقى هناك مع ”طيّب“ و”كنت بعتها“، ورسائلهم اللطيفة. كل خطوة من هذا النوع تُضيف لقدرتي على الوصول لجمهور جديد، وتعزّز من ثقتي برؤيتي للأمور والتوجّه الذي أسير به.

”طيّب“ صدرت في اليوم نفسه الذي صدرت فيه أغنية ”طول عمري نجمة“ لنانسي عجرم، و”كنت بعتها“ صدرت قبل يوم من صدور ألبوم ”ابتدينا“ لعمرو دياب. ألم تتخوّف من مواعيد الإصدار هذه؟
بصراحة عندما حدّدت مواعيد الإصدار لم أكن أعلم بمواعيد إصدار نانسي عجرم وعمرو دياب (يضحك)، لكن عندما اكتشفت ذلك شعرت بأنها صدفة سعيدة ومميّزة، فالجميع يعلم أن عمرو ونانسي من نجومي المفضّلين وأتابع وأحب أعمالهما منذ سنوات، لذلك تفاءلت بهذه الصدفة، وهذه الأمور ستبقى من الذكريات الجميلة التي سترتبط في ذهني بالأغنيتين.

عندما تراقب الألبومات التي صدرت وأصداءها، هل يشجّعك هذا الأمر على إتمام ألبومك الأول أم يخيفك من موضوع الألبومات ككل؟
يشجّعني بالتأكيد. صحيح أن هذا العام شهد إصدار عدد يكاد يكون غير مسبوق من الألبومات العربية في موسم واحد، وكان النجاح الأكبر من نصيب عمرو دياب ونانسي عجرم، لكن للأسف معظم الفنانين الذين أصدروا ألبومات لم يكونوا مجهّزين بخطّة ترويجية تناسب صناعة الموسيقى في الوقت الحالي. لا يمكنك أن تُصدر ألبوماً بالطريقة نفسها التي كنت تصدره بها قبل عشرين عاماً ومن ثم تشتكي من أنه لم يصل للجمهور كما يجب. لذلك أعتقد أن الفنان الذكي يراقب ما حصل هذا الصيف ويأخذ منه دروساً في كيفية إصدار الألبومات، وليس الادّعاء بأن الألبومات لم تعد تنجح.

بالحديث عن ألبومي عمرو دياب ونانسي عجرم، ما هي أغانيك المفضّلة منهما؟
بصراحة هما الألبومان الوحيدان اللذان ما زلت أسمعهما باستمرار من كل إصدارات هذا العام. أكثر أغاني أحببتها من ألبوم عمرو دياب ”خطفوني“، ”بابا“، ”دايماً فاكر“، ”إرجعلها“، ”يلا“، و”حبيبتي ملاك“. من ألبوم نانسي عجرم أحببت الكثير من الأغاني أيضاً: ”سيدي يا سيدي“، ”أنا تبيعني“، ”إنسى“ رائعة بكل ما للكلمة من معنى، ”يا قلبو“، ”أنا هفضل أغنّي“، ”طراوة“، ”على علمي“ Vibe لا تشبه غيرها… بعد في أغاني ما قلتها؟! (يضحك). عموماً أنا أضع كل الأغاني التي أسمعها في بلايليست بعنوان ”Summer Vibes“ على ”سبوتيفاي“ بإمكانكم متابعتها.

من هنا لا بد أن نسأل عن خطوتك المقبلة؟
ما زلت أدرس الموضوع بتأنٍ. هناك أكثر من فكرة ما زالت قيد التنفيذ بخصوص الأغاني التي صدرت وأريد أن أنهيها قبل الاتجاه إلى إصدار جديد، وهناك عدد من الأغاني الجاهزة للتسجيل لكنّي لم أقرر بعد أيّها سوف أختار لتكون ”السنغل“ المقبلة… فكونوا بالانتظار!

ترافق هذا الحوار مجموعة من الصور التي تدمج بين التصوير والذكاء الاصطناعي، فما رأيك بحضور الذكاء الاصطناعي في المجالات الإبداعيّة؟
أعتقد أن الموضوع سيُصبح تقنية تُوظّف لتسهيل العمليّة الإبداعية، كما حدث مع ”الفوتوشوب“ في بداية استخدامه على نطاق واسع، وكذلك تقنية الـ“CGI“ الموجودة في الأفلام منذ سنوات. ليس كل ما تراه في عمل فنيّ مرئي حقيقياً، وهذه حقيقة موجودة حتى في اللوحات الفنيّة منذ مئات السنين. لذلك الأمر بحاجة لبعض الوقت كي يستوعب الناس أن الذكاء الاصطناعي عندما يتم استخدامه بالشكل الصحيح وفي المكان الصحيح يمكن أن يكون قيمة مضافة للعمل طالما لا تتم إساءة استخدامه. ليس المطلوب أن يأخذ الذكاء الاصطناعي مكان التصوير على سبيل المثال، بل أن يكون وسيلة للتوسّع في مفاهيم إبداعيّة قد يصعب تطبيقها على أرض الواقع.

مرّ عقدان على تأسيس ”ستارز كافيه“ غيّرت من خلالهما شكل الصحافة الفنيّة في العالم العربي، بماذا تشعر عندما تنظر لهذه الرحلة الطويلة بكافة محطّاتها؟
أنا قبل كل شيء فخور جداً بمجلّة ”ستارز كافيه“ وكل ما أنجزته، من اللقاءات المميّزة مع أبرز النجوم، إلى التفاعل الدائم من مئات آلاف القرّاء والفنانين الذين بقوا أوفياء للمجلّة طوال هذه الفترة. فنحن اليوم نحتفل بعشرين سنة على تأسيس المجلّة، ومحتواها وصل في الشهر الأخير لأكثر من مليون شخص على مختلف المنصّات، وهذا دليل على تميّز المحتوى الذي تقدّمه واحترامها لوقت وعقل القارئ، والحفاظ على المستوى الراقي الذي أحبه الناس فيها منذ البداية.


تابعوا بشّار زيدان على: إنستاغرام، تيك توك، يوتيوب، سپوتيفاي، أنغامي

Stars Café Magazine